الحياة – 11 آذار 2008:
من سويسرا الغرب... إلى سويسرا الشرق ... « دورية تزلّج في بلاد الأرز » تفتح آفاق السياحة البيئية الشتوية في لبنان
قبل أربعة أعوام حضر الفرنسي جيروم سونيه مع خمسة أشخاص الى لبنان ينشد التزلج الحر على قمم جباله وهضابه المنتشرة، مزاولاً اختصاصاً من هذه الرياضة الشتوية التي تميز لبنان عن جيرانه في الشرق الأوسط.
تنقّل «الفريق الفرنسي» بصحبة اللبناني مكسيم شعيا، الذي تسلّق القمم السبع الأصعب في العالم وبلغ أعلاها قمة ايفرست عام 2005 واجتاز القطب الجنوبي على مزلاجين في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في رحلة مشوقة عبروا خلالها جبل الباروك ومنطقة راشيا البقاعية وجبل الشيخ وصنين والأرز... مروراً بقمة مزار على ارتفاع 2460 متراً في كفرذبيان.
وصادف أن كان الطقس جميلاً والسماء صافية، فلفت نظر سونيه امتداد أزرق خلف الجبل ملتصقاً بالسماء، فسأل شعيا مستفسراً عن هذا المكان، وكم دهش من الجواب، فالأفق الأزرق هو البحر الأبيض المتوسط، وهذا المشهد اختصار لميزة لبنان الجغرافية وغناه الطبيعي وأهميته السياحية على هذا الصعيد، وتجسيد للجملة الشهيرة «لبنان حيث يمكنك أن تسبح في مياه البحر ثم تنتقل للتزلج على الثلج في غضون ساعة...». أما رد فعل سونيه العفوي، فكانت: «تملكون جنة طبيعية لكنكم تهملونها».
هذا التعليق السريع ظل محفوراً في ذاكرة شعيا، ويسعى الآن الى بلورته نشاطاً دورياً يحمل اسم «دورية تزلج في بلاد الأرز» La Patrouille des Cèdres.
ويتكامل هذا الحدث مع رياضات ونشاطات عدة تعزز السياحة البيئية ورياضات الهواء الطلق، التي باتت تشكّل جزءاً مهماً من السياحة العامة، وإن كانت لا تزال «خجولة» في العالم العربي.
ولبنان الذي تشكل السياحة نسبة 9 في المئة من دخله القومي، وكان مقدراً لها ان تصل الى 12 في المئة عام 2006 مع عائدات تقارب 4.4 بليون دولار، يملك مزايا طبيعية متنوعة قادرة على ان تجعله رائداً في السياحة البيئية ورياضتها، لا سيما المشي، وتسلّق الجبال وطيران المظلات، و «الكانوي - كاياك» في مجاري الأنهر... وأخيراً التزلج الحر. اختصاص قائم بذاته دُشّن رسمياً بسباق «دورية في جبل الأرز»، الذي نظّمه بنك عوده – مجموعة عوده سرادار، ممثلاً بشعيا وبالتعاون مع السفارة السويسرية ً، والهدف المساهمة في ترويج الموارد الطبيعية الخلابة في لبنان.
واستوحي هذا النشاط من السباق العريق «دورية المتزلجين» La Patrouille des Glaciers، الذي ينظمه الجيش السويسري في جبال الألب منذ 64 عاماً، والمعروف بأنه الأكثر صعوبة وقساوة في العالم. ويستقطب هذا العام 3500 مشترك من أصل 8 آلاف طلب، ومسافته 55 كيلومتراً، منها 8 كلم صعوداً تقابلها مسافة مماثلة نزولاً، ما يجعل الجهد المبذول 110 كلم.
وتسمح النسخة اللبنانية باكتشاف روائع تتميز بها جبال هذه المنطقة، وسجلت مشاركة من مدنيين وعسكريين من بلدان عدة. وحدد خط انطلاق السباق ونهايته على ارتفاع 1700م في منطقة فقرا – كفرذبيان. وشكلت فرق ثنائية للمنافسة، على حلبة 2500م تمتد صعوداً ونزولاً على مسافة 14 كلم (30 كلم جهداً بدنياً)، ويجتازون خلالها ممرات وقمماً تتطلب مهارات تقنية أعلاها قمة مزار (2460م عن سطح البحر).
تبريد الأجواء المشحونة
على القمم اللبنانية البيضاء نشاطات تبرّد الأجواء السياسية والأمنية الساخنة، منها بطولات رياضية آسيوية ودولية، تتوّجها «دورية في بلاد الأرز» فاتحة آفاقاً جديدة في مجال السياحة البيئية، ورحلات اكتشاف الطبيعة فوق القمم، والتي لا تُزاول إلا من خلال مجموعات يقودها أصحاب خبرة وكفاية، ومزودة بأجهزة للسلامة ومعدات خاصة مثل المزالج الملصق عليها جلد حيوان الفقمة، ما يسهّل التزلج صعوداً ويجنّب الانحدار والتدحرج نزولاً. وقدّم الجيش السويسري 100 مزلاج تشجيعاً.
وإلى متعة التزلّج والاقتراب من الفضاء الرحب، تتخلل الرحلات في المسالك العسيرة فترات سير مضنية. وكما يوضح شعيا وفريق العمل ان السباق «رسالة سلام وصداقة من خلال الرياضة والطبيعة... وإطلاق نشاط تزلج مميز غير محصور بالمدارج المجهّزة. وستكون الصورة عن لبنان مشرقة في الخارج، بخلاف ما يُنقل عنا عبر البث الفضائي أي مشاهد الحشود وحركات احتجاج والخطب النارية. والتحذيرات التي تطلقها حكومات وسفارات تدعو فيها رعاياها للحدّ من تحرّكها أو تجنّب السفر الى لبنان».
«نظموا سباقات ومنافسات... رحبوا بالسياح وأوصدوا أبواب الحرب» هو لسان حال المشاركين في هذا السباق الذي يقدّم باباً جديداً للاستثمار السياحي على قمم مخطط لعدد منها ان تشهد إقامة مشاريع مجزية في المستقبل، علماً ان البنية التحتية للرياضة الشتوية وفاعلياتها السياحية متوافرة ومميزة في لبنان.
في الأعوام الماضية، نشطت رحلات المشي في الطبيعة والتعرف الى المناطق ومعالمها وآثارها، وتفاعلت مجالس بلدية وهيئات وجمعيات في هذا المجال. وشهد لبنان أخيراً مشروع «درب الجبل اللبناني» الخاص بمزاولي المشي من محليين وأجانب، ولحظت استراحات في أجواء القرية اللبنانية وعاداتها، بلغ عددها حتى الآن أربعة «بيوت ضيافة» في بسكنتا وبعذران والمتين والباروك.
وتزلج العمق عبر الوهاد ومنقلبات السفوح معروف في لبنان، غير ان قولبته في إطار منظّم على غرار «دورية تزلج في بلاد الأرز»، يعزز الموسم الشتوي اللبناني. وهو عامل جذب لأجانب كثر مقيمين في البلدان المجاورة، يشجعهم على زيارة لبنان في عطلات قصيرة والقيام برحلات عبر الجبال المكللة بـ «الذهب الأبيض».
وسيشهد المشروع حلقة صيفية تتضمن مخيمات جبلية ورحلات ومسابقات «ثرياتلون»، من فقراتها السباحة أو الكانوي - كاياك في مجاري الأنهر وركوب الدراجة الهوائية والجري في الجبال، وتُدرس توأمتها مع نشاطات أوروبية. Back |